أحمد بن محمد بن عجيبة الحسنى

580

إيقاظ الهمم في شرح حكم سيدي أحمد بن عطاء الله السكندري

أبان ذلك في المناجاة التاسعة عشرة بقوله : 362 - إلهي عميت عين لا تراك عليها رقيبا ، وخسرت صفقة عبد لم تجعل من حبك نصيبا . قلت : الظاهر أن هذا إخبار بأن كل عين خلت من مراقبة الحق تعالى ، فهي عمياء وكل صفقة خلت من محبة اللّه فهي خاسرة ، ويكون العمى في حقها معنويّا ، فكأنها حيث لم تراقب اللّه تعالى ، ولم تستحي منه عمياء ، لأن اللّه سبحانه يقول : إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً [ النساء : 1 ] ، وقال تعالى : وَما تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَما تَتْلُوا مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُوداً [ يونس : 61 ] . فمن لم يعتقد هذا فهو كافر ، ومن اعتقده ولم يستحي من اللّه فهو جاهل أعمى البصيرة . وقد قالوا : إن الحياء جله من البصر ألا ترى أن الأعمى قليل الحياء ، فدل أن البصر الذي لم يراقب اللّه تعالى ، ولم يستحي منه ليس ببصر ، وإنما هو عمى ، ويحتمل أن يريد بالعين عين البصيرة . قال بعضهم : إذا عصيت اللّه فاعصه بموضع لا يراك ، فمن لم يستحي من نظر الحق وبارز مولاه بأنواع المعاصي ، فقد عميت عين بصيرته . وسئل بعضهم : بم يستعين العبد على حفظ بصره ؟ فقال : بعلمه بأن رؤية الحق تسبق بصره ، انتهى . وفي حديث عبادة ابن الصامت رضي اللّه تعالى عنه قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم : « أفضل إيمان المرء أن يعلم أن اللّه معه حيث كان « 1 » » . والصفقة : هي ما يشتري جملة ، وكنى بها عن حظ العبد وقسمته الأزلية ، فمن كان حظه من اللّه المقت والبعد فصفقته خاسرة ، نسأل اللّه العافية . كان بعض السادات يبكي ، فقيل له : لم هذا البكاء ؟ فقال له : ليس بكائي من ذنوبي وعصياني ، لأن ذلك من صفة نفسي ، وإنما بكائي على أن كانت أقساما قسمت وحظوظا أجريت وكان

--> ( 1 ) رواه البيهقي في الشعب ( 1 / 470 ) ، ( 3 / 187 ) .